معاناة كاتب !!


بدأت الكتابة صغيراً وأعتبر أن القلم رفيق وصديق .. ومن حبي له تسميت به حتى صرت قلماً يكتب بالقلم !!
ومن المسلمات التي آمن العديد من الناس بها وجود تلازم بين القراءة والكتابة .. بمعنى أنك إن كتبت يجب أن يوجد من يقرأ .. ولكي تكتب يجب أن تضمن وجود من يقرأ ..
حقيقة .. أظن ألا تلازم بينهما .. لأن الكتابة إن كانت إفراغاً لما في الصدر وتصويراً لما يجول بالقلب فإن نقلها من مشاعر محسوسة الى معاني ملموسة يعد إنجازاً وان لم ينشر .. وإعادة تشكيلها في قالب مكتوب يدخل السعادة على قلب الكاتب وان لم يقرأ أحد ..
ومع ذلك فإن القراءة والمتابعة يسعدان الكاتب أيما سعادة ولكن ذلك لا يعني أن يكتب في انتظار القارئ .. أو يكتب من أجل القارئ ..
بل يكتب من قلبه معبراً بصدق عما بداخله ..
لأنه في الحقيقة لا يوجد من يقرأ .. وإن وجد القارئ فإنه يقرأ مشاعره وآرائه واسقاطاته ومواقفه في كلماتك ومعانيك .. فتجد الكلمة تتلون بألف لون والمعنى يتزيا بألف رداء حتى تبحث -جاهداً- عما كتبت فلا تجده لأنه ضاع وسط تأويلات مختلفة وقراءات شتى ..
فإذا كانت كتاباتك من أجل القارئ إذلال للقلم .. وكتابتك من أجل المعنى والكلمة لا يجدي لأن معناك يفسر بألف مذهب وكلمتك تقرأ بألف لسان ..
فما السبيل الى الخلاص بقلم يريد أن يفتح طاقة يتنشق فيها الهواء .. وقلب يود تخليد أحاسيسه قبل أن يصبح خواء ..؟!

الــكمـال



الرغبة في الكمال .. احساس يجتاح كل إنسان .. يتمنى أن يكون كاملاً .. أن يحصل كامل اللذة .. أن يجني كامل السعادة ..

ومع أنه يدرك –في قرارة نفسه- أنه لا سبيل للوصول إلى الكمال ولكنه يرضى نفسه بنزوعه إليه .. وكأنه يحمد الظل عن الظلام لادراكه أن النور بعيد المنال..

ومع تعدد المذاهب في تصور الكمال .. منهم من تصوره قمة لها مدارج ودرجات ، ومنهم من تصوره وسطاً بين سوأتين كالشعرة تفصل الافراط عن التفريط ، ومنهم من تصوره دوراً فما زاد نقص ومن أبلغ في النقص زاد !! .. ولكن يبقى الكمال متفقاً على جوهره وعلى كونه خير الفضائل رغم الاختلاف حول تصوره..

إن طلب الكمال يرجع إلى أصل الإنسان وكونه من مادتين.. مادة الطين الأرض الناقص المعيب .. ونفخة إلهية فيها من صفات الكمال الإلهي .. وهذا سبب سعي الانسان للكمال حيث تجره نفسه العلوية إلى الأعلى بكماله بينما تشده نفسه الدونية إلى الأرض وشهواتها .. وهو بين هذه وتلك كمربوط بين فرسين متنافرين يوشك أن يتمزع من فرط التعارض ولكن لهذا خلقنا .. فإلى أي طريق ستنزع؟!!

متفق أيضاً أن الكمال لا يحصل في الدنيا إذا قلنا أن الكمال يقع في الشهوة أو القول والفعل أو الحدث إذ ان كل ما هو خارج من الناقص ناقص..

ويمكن تصور الكمال في النفس وقد تعلق بالأنبياء عليهم السلام في أنفسهم وأخلاقهم لا أفعالهم في صفاتهم لا أقوالهم .. لأن الله صوب لهم أفعالهم ولربما نسخ لهم أقوالهم لأن الكمال في الدنيا لا يشملها .. أما نفوسهم فطاهرة كاملة وأخلاقهم علية كاملة وصفاتهم زكية كاملة..

هذا تصوري عن الكمال في حديث مقتضب..

" ........ "



تبتدر المعاني ذهنه شلالاً دفقاً لا يدري مبدأه ولا منتهاه .. يغوص في أسرار المعنى ومدلول اللفظ حتى يلمس قاعه ويسبر غوره .. ثم تختفي تلك التأملات لتحل محلها نزعة تسطيحية سمجة تجعل مرد كل أمر إلى شهوة أو نزوة أو فعل حدث كيفما اتفق بغير دافع ولا وازع .. حتى إذا استولت على عقله تلك النزعة البغيضة .. انسلت إلى رأسه فكرة الترابط .. فتجده يقيم شباكاً من المعاني المتصلة يرتبها قرباً وبعداً .. أكثرها ملائمة للأصل وأبعدها عنه شبهاً .. ويظل يبني بين المعاني خيوطاً متشابكة يجمعها قيد الملائمة والموائمة حتى يقتلعه من حاله هاتف الجمود والتوقف .. فلا يعمل عقله في أي مسأله عنّت له .. يرضى من الكلمة بظاهر معناها ومن اللفظ بأقرب ما يتبادر منه إلى الذهن .. وكلما دفعه الحنين إلى الغوص في بحر المعاني تذكر وتوقف على شاطئه .. يتلفت حوله ثم يمس صخرة ويجلس عليها ويتحول بفكره للتجسيد .. فيتحول كل معنى إلى شخص له جسد وفكر وحكاية وقد يستدعى من المعاني الكثير فتصطخب جميعاً في عقله ويضيق بها وعندها يلهم فكرة تملأ عقله بالخدر وروحه بالصفو .. إذ تقول :

"إن المعاني في حقيقتها واضحة وفي أصلها ظاهرة إلا أنها حجبت عنا بعقولنا المشوشة وطرقنا المختلفة في فهمها .. فالحجاب كامن فينا .. فنحن الذين في قاع البحر نجاهد للوصول إلى السطح لالقاء نظرة على شمس المعنى قبل أن يثقل بنا الفكر ويشدنا العقل ثانية ... إلى القاع"

لماذا أعود؟


HTML clipboard


هل عادت أشعاري تطرب حتى أنشدها؟!

أم عادت كلماتي تسمع حتى ألقيها؟!

أكتب وسط السيل الجارف من كلمات لا اعنيها

أحذف من وسط قصيدي عشر مقاطع لا أبغيها

أشطب من كل مقال عشر سطور فأقطعها أو أمحيها



أي كاتب هذا الذي يستطيع أن يكتب وسط جيش من الرقباء أولهم نفسه، وأي قصيدة تلك التي تحافظ على وزنها بعد حذف عشرة مقاطع؟! ، وأي مقال هذا الذي يحافظ على تسلسله بعد شطب سطور عشرة منه؟!!

يأتي على المرء أحيان يجد فيها نفسه يكتب ولا يكتب ، ينظر ولا يرى ، ينظم ولا يكتب شعراً .. فهل ستعود الروح حتى يعود القلم؟!!



ملحوظة : سألني لماذا تعود؟ قلت : من أجلها !!

عود على ذي بدء !!


تبدأ الكتابة ولا يقرأ لك أحد إلا القليل من المارين والذين ساقتهم الأقدار إلى صفحتك .. ثم يبدأون في التوافد والقراءة تعرف ذلك من عداد زوارك - ثم يحدث تحول كبير حيث يحاول بعضهم أن يتفاعل معك ويعلق مدلياً برأيه فيما كتبت .. تتسع الدائرة ليدخل فيها عدد من الذين تعرفهم في الواقع .. أصدقاء زملاء الدراسة وغيرهم وهؤلاء بحكم تعاملهم معك يطلعون من خلال كتاباتك على جانب جديد من بنائك الشخصي وزاوية أخرى من شخصيتك فيقبلون بنهم في البداية - على القراءة لك يقودهم الفضول ودافع التعرف عليك من الداخل .. و ..

نسيت أن أتحدث عنك وأنت تكتب منذ البداية .. فمن أول تدوينة وأنت تقرأ لنفسك وتعيش في أجواء تضعها لنفسك .. تكتب وتعبر بكل وضوح لأنه في الحقيقة لا يوجد غيرك .. ثم تتداخل دوائر الواقع الافتراضي مع الحقيقة فيدخل أصدقاؤك وزملاؤك فتلقى عليك قيود في كتاباتك سببها شخصيتك في هذه الدوائر وأهدافك .. آه من أهدافك .. تتنوع وتتشعب وتضطر لمراعاتها جميعاً في كتاباتك ..

ثم يتسع المجال لأسرتك ومزيداً من أصدقائك واخوانك ليصبح الجميع هنا .. يقرأون .. ويتفاعلون .. وأنت سعيد بوجودهم ومتابعتهم ولكن .. ولكن الكتابة بعد ذلك تصبح عبئاً ثقيلاً تراعي فيه أموراً عدة .. تعاملات وتوقعات .. أفكار وارتباطات بالواقع واسقاطات .. العديد والعديد من القيود تلقي بظلالها على كتاباتك وأن تستسلم مضطراً .. رغم أنه بين الفينة والأخرى تهرب بعض الكلمات فتخرج ولكنها تضيع وسط كتابات لم يعد لها معنى لأنها أصبحت تفتقد الكثير من دلالاتها .. على الأقل بالنسبة إليك ..

كي يعود القلم حراً عليه أن يعود إلى الاوراق والدفاتر فيزينها بحبره حيث أن الاوراق تطوى والدفاتر تخفى أما غير ذلك فهي أعراض ووسائل .. وإجابات لا مسائل!!